الثلاثاء، 26 أبريل 2011

إهداء

إهداء


إلي كل ركن وكل زاويه في اسكندريه إلي


 الناس الطيبين ، إلي  بحر اسكندريه


 وصخب لياليها أهدي روايتي ،



تجليات المكان وجمال السرد
قراءه في رواية باكوس للروائي المصري أشرف نبوي
 كتبها
حاتم عبد الهادي السيد
رئيس رابطة الادباء العرب

يحيلنا الروائى / أشرف نبوى فى روايته " باكوس " الى عبق الأسكندرية ، الى بحرها المتوسط الساحر ، والى عبق تاريخها ، وجماليات المكان المرتبطة بطيبة أهلها وبساطتهم ، وهو يتحّلقون حول مسجد "المرسى أبو العبا س" ، أو يتنزهون على الكورنيش ،، ويأكلون المحارات
والترمس ، أو يتجمعون على المقاهى لسرد التفاصيل اليومية ، بلغة اسكندرية غاية فى الروعة والجمال والتى تشى بعبقرية المكان والانسان .
هذا ويلعب المكان دور البطل فى) رواية  باكوس (،ويتجلى ذلك – بداية – من العنوان ، ومنذ البداية يدخلنا الراوى الى تفاصيل الأحداث لنتشابك مع المكان بشخصياته وأحداثه وبتجلياته الشعبية وأناسه البسطاء ، حيث الصحبة الجميلة ، والنبش فى حكايات الماضى ، والتنزه على الكورنيش ، وفى سوق باكوس وأناسه الشعبيين الحالمين البسطاء. وأحسب أن / أشرف نبوى / الراوى قد أراد لنا أن ندخل
الى أحداث الرواية مباشرة ، فى محاولة أولى منه لاشراك القارىء فى انتاجية الأحداث من خلال الواقعية السحرية ، أو السرد السيميائى الساحر الذى يحيلنا الى موضوعة الأحداث ، وتفاصيلها "الزمكانية" التى تتشابك فيه مدلولات المكان بالزمن حيث البحر والمقهى والسوق وحكايات السمر والذكريات مع : "مصطفى" و "كريم" ،بين "لوران" و"محطة فيكتوريا " ، أو عند شاطىء الحسناوات على الكورنيش الذى كان كريم يطرب لرؤية بنات الأسكندرية بالمايوهات وبالبنطلون الجينز ، والبلوزة الصارخة الأنوثة ، وبالضحكة السكندرية الصافية ، الا أن اتصال " راشد " – أو المعلم - راشد غنام –- بمصطفى عن طريق الهاتف ، قد أحال مسيرة السرد الى جهة مغايرة ومكان مختلف أيضاً .هذا ونلحظ الدقة لدى الكاتب فى وصف الشخصية وعلاقاتها بالآخرين ، كما نلحظ سلاسة الوصف وفطريته أيضاً ، وهذه الجمالية والبراعة نجعلنا ندلل الى انسيابية السرد ، مع جمالية الموضوع ، خاصة اذا كان الحديث يتعلق بفترة الشباب، وذكريات الحب القديم ،والصحبجية ، يقول :
 راشد غنام صديق عمر لمصطفي ، فقد تقابلا للمرة الأولي في المدرسة الثانوية ، أعجب مصطفي بأخلاق وشهامة ابن البلد التي كان يتمتع بها راشد ، أما راشد غنام فقد كان بقلبه طاقة حب كبير لكل من حوله وكان يبعثر مشاعره علي الجميع وكثيرا ً ما كانت تلك المزية توقعه في مشاكل خاصة مع الجنس الناعم ، لكنه لم يتوقف يوما ً عن حبه للجميع حتي بعد ان توفي والده ووجد نفسه يغير طريقه من
 الأدب والصحافة إلى الصناعة والأعمال ، ظل راشد بنفس القلب الشفيف والنظرة الباسمة والتي اكتست بخبرة السنين وقسوة الأيام فزادتها جمالا ً وعمقا ً ، لذا ورغم سفر مصطفي وانشغال راشد بأعماله وتوسيع تجارته ومصنعه إلا ان الصلة بينهما لم تنقطع يوماً ، وكأنا حريصين كلاهما علي اللقاء كلما سنحت فرصة بعودة مصطفي من غربته في إجازة ، وكانت دوم ا ً لقائتهما تجمع بعض أصدقاء الماضي ، ويتخللها الكثير من الحكاياوالذكريات ، وأخبار أصدقائهما التي كان يعرف معظمها راشد بحكم تواجده وصلاته وعلاقاته  .
ولنا بداية أن نعّلق لتد خل الراوى العليم وتسيير الأحداث لوجهات متغايرة ، فالراوى يوجه الحدث هنا
وليست الأحداث تتداعى تلقائياً ، وهذه أسلوبية تشاركية من الراوى – ربما لاشراك القارىء أيضاً ، الا أنها تشاركية تفيد فى الاختصار فى التمهيد لماهية العلاقة بين المعلم راشد وصديقه مصطفى ، وربما تجىء الجمل الحوارية بعد ذلك لتضيف بعداً حميمياً للسرد لسد الفجوة بين القارىء والمتلقى ، ولاقحام القارىء عنوة فى الدخول الى الأحداث ليعيش مع أبطال المجموعة فى قلب الحدث ، وفى هذا حنكة كاتب حصيف ، وبراعة سارد ، وراوى عليم ، بماهية الذات التشاركية للكاتب والقارىء معاً .
يبدأ السارد بالحكى بين مصطفى الذى غاب عن الأسكندرية بسبب ظروف عمله بالخليج العربى ، فنراه
شغوفاً لمعرفة تفاصيل وأخبار الأصدقاء والجميلات ، ويبدأ المعلم راشد فى اخباره عنهم وتتوالى الحكايات وتتنامى معها هارمونية السرد الي أفق واقعى مجتمعى ، لحياة هؤلاء البسطاء ولن نقول الهامشيين بالطبع ، يقول :
 بقي مصطفي يسرد أخبار الغربة وراشد ينفث دخان الشيشة ويهز رأسه مبستما ، وكلما لاح في ذهن مصطفي اسماً من أسماء اصدقاء الماضي كان يسأل عنه راشد بشغف ، وراشد يستفيض في سرد ما يعرفه من تفاصيل ، وهو منتشياً بأنه الوحيد الذي بيده الخيوط جميعها ، أما مصطفي فقد كان يشعر بهذا ويفهمه جيد ا ً لذا لم يترك شخصاً ممن كان تربطه به معرفه أوصداقه إلا وسأل عنه ،
وقد كانت ابتسامه راشد وبشاشته تشجعه أكثر وأكثر، فاستجمع مصطفي شجاعته وسأله عن سميه فأخذ راشد نفساً عميقاً قبل أن يعتدل في جلسته وينظر لعيني مصطفي ثم يساله : انت لسه بتحبها يا درش ؟ لكن مصطفي وبدلاً من أن يجيبه نظر إلى الأفق بعيداً وسرح بخياله ، بحكمة وطولة بال أولاد البلد انتظره راشد قلي ً لا ثم نقر باصبعه فوق الطاولة ، فانتبه مصطفي واجابه بصوت خفيض ما كاد راشد يسمعه : لا أدري لكني أجدني دوما ً مشدودا ً لمعرفة أخبارها أولاً بأول ، رد راشد :
أصدقك القول أنا لم أسمع عنها منذ ما يقرب من سنة ،وآخر أخبارها انها رزقت بطفل من زوجها بعد سنوات من الحرمان ، وقد صادفتهما في أحد الاسواق ، ابتسمت لى ولم تسلم علي ، أما زوجها فهو جلف وأظنها خافت من وقوعها في مشكلة أو جدل معه ، المهم اني مضيت في طريقي ،وبعدها سمعت من رفيق ة عمرها ناديه انها بعد زواجها تعيش حياة هادئ ة ومستقرة ، لكنها غير سعيدة ، لم يفوت مصطفي الفر صة فسأله عن ناد ية وكيف حالها هي وزوجها ، فاستطرد راشد : لا يختلف الأمر كثيرا ً فهي بعد فراقها هي ونادر تزوجت بصديق عمره وقد لمناها جميعا علي ذلك ولكنها كانت معاندة وأظنك تعرف قصتها ،وهي تعيش الآن في ملل حياة من لا بديل لديه الا هذا الزواج التعس ، ثم أكمل هل تذكر سامية فقلت: ومن ينسي قصتها هي وفؤاد ؟ فقال : ولكنك لا تعرف ما حدث لهما بعد زواجهما باربع سنوات هذا وتتنامى مسيرة السرد من خلال الحوار الحميم فتظهر قصة عواطف ، ونادية ، وسامية ، وفكرى الجزار وغيرها من الحكايات ، وكل ذلك يأتى من مشهدية لجلوس فى المقهى الذى يمثل واحة متسعة لاجترار البوح والذكريات .
هذا وتتوالى الحكايات فى متوالية سردية أشبع بعقد منتضم فى تسلسلل متتابع ومهارة مبدع ، فها هو كريم وزوجته شربات التى يحاول اخوتها اكل نصيبها فى الميراث لطمعهم ، بينما نشاهد مصطفى تعاوده الذكريات وتتوالى عليه فيهم أن يلاحق فتاة البحر أو فتاة الليل التى خرجت من البحر نصف عارية بالمايوه ، الا أنه يتذكر أيامه الأولى فلم يرتكب معصية مع انه عرف الكثير من البنات ، ولم يشرب الحشيش الا مرة واحدة كذلك ، الا أن احاديث المعلم راشد قد جعلته لا يركن الى الراحة فنراه يهم بشراء أحد المحلات فى سوق باكوس فيذهب لكريم وتقابله شربات زوجته بترحاب ، ويخرج الصديقان الى احداث جديدة فى سوق باكوس حيث الطبقات الاجتماعية من الجزارين والبقالين وباعة الخضار واسلوب السوق الشعبى ولغته الدافئة الالغازية وقصص كثيرة تحدث مع هؤلاء البسطاء هناك .
هذا وتبدأ تفاصيل الرواية فى الفصل الثانى بأحداث جديدة تغير مسيرة السرد وتدخلنا الى الحكاية الرئيسة حيث يشترى مصطفى محلا ويصفى أعماله فى الخارج ويلتقى بجارته مرام فى البوتيك تلك البنت المكافحة الرائعة الجمال ونلحظ تعلق مصطفى بها وتعلقها به كذلك بعد رفضها لكثير من الخطاب الذين أغراهم جمالها ، الا أن رحلتها للكفاح لم تترك لها مساحة للرومانسية والحب ، الا أن ظهور مصطفى قد بدأ يعيد لها ذلك الشعور المفتقد .ويشرع الكاتب فى سرد تفاصيل السوق كاملة مع المعلم صالح عنتر الجزار ، ومرام صاحبة بوتيك الملابس المجاور ، وغيرها من الشخصيات الثرية التى يحفل بها السوق ( سوق باكوس ) ، وربما كان سفره الى الخليج قد أفقده الكثير من ملامح عشقه للحياة الشعبية ، لذا نراه يحاول أن يستعيد ذلك بتصفية حساباته فى الخارج وشراء محل فى سوق باكوس والتعرف الى الشخصيات الشعبية ،
يقول : كان مصطفي دوماً يشعر براحة حين يتمشي في سوق باكوس وهو يتذكر أيام طفولته ووالدته تأخذه معها كلما ذهبت للتسوق ، يتذكر محطة الترام المواجهة لسوق السمك ، وبائعات الخضرة اللواتي كن يحضرن من ريف " أبيس" القريبة من الأسكندرية ويفترشن الرصيف لبيع ما لديهن من خضرة طازجة ، يتذكر زحمة السوق ورائحة عرق البسطاء المختلطه بصياح البائعين في مناداتهم الصارخة ومحاولاتهم البائسة في جذب الزبائن ،
كم اشتاق مصطفي لرائحه الكعك الساخن الذي يخبز في زاوية شارع السوق الرئيسي ليوزع علي البائعين السريحه لبيعه علي شاطيء البحر للسهاري والعاشقين ،وإلى كوب من عصير القصب الذي كان يتزاحم عليه البسطاء ليروي عطشهم واطفاء لهيب الحر ، انتبه مصطفي إلى أنه أمام محل العصير ، تنهد وهو يمد يده ليشرب كوب العصير الذي وجده أمامه بعدما دفع ثمنه ، شعر بسعادة وطعم العصير في فمه يعود به من جديد لأيام شبابه ، وتذكر كيف كان يصر علي شرب عصير القصب ، ويرفض تناول عصير المانجو الذي كانت تفضله معظم البنات اللواتي خرجن معه ، كانت أصوات الباعة مع أصوات أبواق السيارات تمثل سيمفونية جميلة تعيده إلى الجذور وتزرعه من جديد في أرض الوطن بعدما اقتلعته الغربة بقسوتها ، أما هذا الكرنفال اللوني المتمثل في الوان ملابس البائعين والبائعات والمتسوقين فكان في عينيه أجمل من أفضل لوحات متاحف العالم التي زارها أو قرأ عنها ، لم يكن يضاهي هذا الجمال الذي ينبض حياة في عين مصطفي أي جمال آخر الا جمال بحر الأسكندريه الذي كان يعشقه صيفاً وشتاء . انها تجليات المكان الساحر والتى جعلته يترك المال والحياة الرغيدة ليعود الى حيث الصدق والحب ، الى الفطرة والبساطة فى عالم نقى ، حالم بسيط ، الا أنه عالم مكتنز بتفاصيل وحكايات وذكريات ، أى انه العودة للتاريخ ، للمكان ، كى لا تضيع الهوية ويذوب فى العالم المتشعب ، المتسع الغريب عن بيئته وسلوكياته ، وعن عادات وتقاليد أهله الذين ترعرع فى وسطهم ، فغدا المكان هو الحنين والذكرى التى تشده الى الأسكندرية . انه الوطن الذى كان يتوق اليه ، حتى مع مباريات كرة القدم للمنتخب القومى التى يشاهدها ، لأنها تنمى لديه الحس الوطنى كذلك .
هذا وتظهر بعض الشخصيات الفرعية كشخصية طلعت وزوجته سمرة ابنة خالة مصطفى وكريم واخت شربات كذلك شخصية صباح التى دخل زوجها حامد السجن وترك لها طفلين لتربيهما ، كما يعرض لدور شكرى الجزار ذلك الصديق القديم لمصطفى والمعلم راشد والذى بدأ تفاصيل ظهوره جلية بدعوة مصطفى لمرام التى يود خطبتها لتناول الطعام فى مطعمه الفاخر ، كما يظهر موت طلعت من جراء شرب الحشيش وجلسات أصدقاء السوء ، وهكذا تظهر شخصيات وتختفى دون أن تكون لها تأثيرات جوهرية فى مسيرة السرد ، لكنها تكشف عن جوانب عديدة وتضىء بعض الأنحاء والجوانب الانسانية ويظهر ذلك من سلوك " شربات " زوجة كريم ، وهى تناول صباح وسمرة بعض النقود ، كما يقدم لهما مصطفى بعض مساعدة لأطفال أبناء ابنة خالته ،وهكذا تكشف تفاصيل السرد عن بعد انسانى للشخصيات ويظهر ذلك فى
موت طلعت . كما تظهر شخصيات ثانوية جديدة لتؤدى دوراً تكميلياً أو تشاركياً لتجسيد الأحداث ولربما
لتأكيد الواقعية وزخم السرد مثل شخصية : رفعت السبعاوى ومسعود عبدالحميد ، وجمال ومنال ومحيى
وغيرهم .وتبدأ الرواية فى التع ّ قد بوفاة طلعت وتحمل مصطفى لمسئوليات كثيرة ، ويتدخل شكرى الجزار ليصبح واحداً من العائلة ، وتتأجل خطبة مصطفى لمرام ، ويبدأ مصطفى فى تجهيزات ديكورات المحل لعمل " سيبر" – محل للكمبيوتر - بينما يقرأ الفاتحة مع أم مرام ، ويبدأ فى اعداد شقة الزوجية بعد أن يسافر لتصفية أعماله فى الخليج ، كذلك وتتوالى الأحداث فيسافر ، ويخرج حامد من السجن ، ويطلب شكرى الجزار يد سمره ، ويتم افتتاح السيبر بع ودة مصطفى ، وتظهر عواطف حبيبته الأولى التى تصر على مقابلته وهكذا تتوالى الأحداث فى تتابع درامى ممتد الى أن يستقر فى النهاية ليتزوج بعد أن هدأت هذه الأحداث والمشاكل وكان من حقه أن يستمتع قليلا بسعادة مع حبيبته مرام :
حين أغلق باب الغرفة ما كانت تتصور للحظة الذي حدث بينهما ، فهي ورغم كل شيء لم يمر بخاطرها انها ستسلم جسدها له في لحظات وترتمي بين أحضانه وهي تقبله قبلة حا رة ، هي نفسها لم تصدق وهي تعيش أجمل لحظة انتظرتها طويلا ، لكن الحدث كان أكبر والشعور الذي شملها كان أعمق من أي احساس بخجل أو رفض أنثوي كان يعانق دلالا ً في احيان كثيرة ، حين وجدت نفسها بين يديه وعينيه تكاد تخترق جسدها ، لملمت خجلها وطوحته بيديها في ركن الغرفة وبدت بجسدها المرمري أمامه كحلم اغريقي تجسد في بهاء، أغمضت عينيها وهو يقترب منها في هدوء ،تركت نفسها كريشة في يد عازف ، يفعل بها ما يشاء ، كانت تنتظر بشغف تلك المعزوفه التي طالما حلما بعزفها، كان شوقه الجارف لمرام وحبه الذي تنامي بسرعة حتي ملك عليه نفسه يحركانه فامطتي معها سحب المتعة وأمضي معها أجمل اللحظات ، ثم احتضنها برقه وهو يقبل غرتها ويحيطها بذراعيه قبل أن يغيبا في سبات عميق .
هذا وتتغاير تفاصيل الرواية فنشاهد الكاتب وهو يوجه انتقاداته للمجتمع من خلال ظلم رجال الداخلية وقتلهم لجمال الذى يعمل فى " السيبر " بعد تلفيق تهمة تعاطى مخدرات له، وكأنه يجسد الحادثة الشهيرة لابن الأسكندرية الذى قتل قريباً بنفس الطريقة ، وهو بهذا يؤرخ للحدث الآنى منتقداً الظلم الاجتماعى من جهة ، ومؤكداً على واقعية أحداثه واستلهام شخوصه وأحداث .
روايته من الواقع المعيش ، يقول : حين عاد مصطفي كان الحزن بادياً عليه ، استقبلته مرام بلهفة وهي تسأله مجدداً فدمعت عيناه وهو يقول لقد قتلوه ، قتلوا جمال يا مرام ، فشهقت وهي تدق صدرها
بيدها وتسأل : من هم الذين قتلوه ؟ فنظر مصطفي الي الأرض وهو يقول الظلمة ، زبانية الداخلية ، وليتهم اكتفوا بهذا بل انهم يتهمونه بأنه مدمن وان ادمانه هو الذي قتله بعد أن حاول مقاومه رجالهم ، وهذا ما لم يحدث بشهادة الشهود ، دمعت عين مرام وشعرت بغصة في حلقها ، بقي مصطفي أياما لا يستطيع أن يذهب الي السايبر وظل متابعاً لقضية جمال ، وقد شعر ببعض الارتياح حين وجد علي النت من ينتصر لجمال.
هذا وتتوالى مسيرة السرد لذكر الحياتى واليومى وأدق التفاصيل ، ومع اسهاب الوصف الا أنه جاء قوياً غير مترهل ، بل يتتابع هارمونى السرد لديه بتصاعد الأحداث وتفاقم المشاكل ، الا أن الكاتب كان معنى بسرد تفاصيل المكان لتتسق تفاصيله مع الأحداث ليقدم لنا "حى باكوس" وناسه وأهله وعادات أهل الأسكندرية الطيبين ولهجتهم ، من خلال قصة مصطفى ومرام وأصدقائه وأقاربه. انها حياة مكان وشخصيات وعوالم سكندرية فى بحرى ، استطاع الروائى / أشرف نبوى أن بجسدها بصورة أكثر اشراقاً وسموقاً فجاء سرده متماسكاً ليس به ترهل ، بل وجدنا اكتنازاً فى الوصف مع عمق فى التصوير وجودة فى احكام لغته ، أو لعبته السردية التى انتضمت فيها حبات عقد السرد لتشكل قلادة ذهبية ، أو ياقوتة جميلة ، ليضعها على جيد الحسناء باكوس كما وضعها مصطفى على رقبة مرام الصارخة الجمال .ان / أشرف نبوى يكشف عن كاتب مثير للجدل بتفاصيله المتداخلة وبكثرة شخصيات الرواية التى قد تجعل الأمر يختلط على القارىء لأن ذلك قد استدعى منه وصف أحداث ومواقف كثيرة ، متداخلة ومتعرجة من خلال الشخصيات الفرعية ، الا أن هارمونى السرد بدا متيناً وهو يسير فى طريقه الخطى ليرتفع بنا الى ذروة الاثارة بمجىء النهاية المفتوحة للرواية .. والتى تجعلنا نؤكد على أنه قد أراد وصف ، أو اقتطاع جزء من مسيرة حياة في زمان ومكان محدد – الزمان الآنى – ليحيلنا الى الأسكندرية ،إلى باكوس ، الى ذلك العالم الشعبى الرصين ، بسرد مكتنز غاية فى الروعة والتصوير والسهولة والسلاسة التى تنم عن كاتب يعرف تفاصيل السرد ، ويحاول أن يتميز ، وأن تكون له بصمته الخاصة ، كما كان كان هنا مميزاً فى روايته باكوس الرائعة. اننا نثمن تجربة الكاتب ، ونشد على يديه مؤكدين أننا أمام مبدع يعد بالكثير ، وهو يحدد منذ البداية فرادته وتميزه ، اذ المحلية دليل العالميه ، فاذا كان نجيب محفوظ ، واحسان عبدالقدوس ، ومحمد جبريل ، وبعض الكتاب الآخرين قد بد ا المكان فى رواياتهم بطلا يجسد الأحداث ، فان الروائى الرائع الجميل / أشرف نبوى –فيما أحسب – قد استطاع أن ينحى شكلا جديداً ، باشراكه القارىء فى الأحداث من خلال سيميائية السرد ، وروعة الوصف وسهولته وفطريته وسلاسته وطزاجته أيضاً ، كما استطاع أن يظهر لنا الهامشيين فى المجتمع السكندرى ، بل وكل الطوائف الاجتماعية الا أن المكان هو البطل الذى تتمحور عنه كل الموضوعات ، وتسقط لديه كل الأيديولوجيات لنقف عند روائى أراه مجدداً وان اعتمد على مسيرة التراث السردى أيضاً ، الا أن جماليات السرد تبدت فى عفويته ، وعدم التكلف الذى جعلنا نتدافع مع روايته حتى آخر سطر فيها. يبقى / أشرف نبوى يجدل للذات والمكان تفاصيله ،ويعكس لنا آلام وآمال الواقع الذى يرصده ، كما يقتطع لنا مساحة من عمر الزمان ليسجل تاريخ المكان لباكوس للأسكندرية الرائعة بأحيائها الشعبية وبشاطىء بحرها الساحر، وجمال بناتها وهن يخرجن من البحرد يزغردن مع الشمس المشرقة للكون والعالم والحياة.

مقدمه

مقدمه

لا اعرف لما اشعر دوما بأن الاسكندريه لم تأخذ حقها في الكتابه من الأدباء وهي التي تحمل بين جنباتها خليط رائع من الاعراق والتاريخ
الاسكندريه  لا تجد لها مثيل في العالم وهذا ليس تحيزا بقدر ما هو عشق لهذا المكان الذي يزخر بالسحر وتختلط فيه الحواري بالقصور والبحر بالنيل والغني والابهه بالفقر والعوز ، خصوصيه تتفرد بها مدينة الاسكندر جعلت الكثيرين من الأدباء والفنانين ينشغلون بعشقها والعيش فيها عن سرد تفاصيل روعتها وصياغة مفردات الجمال فيها
وأنا هنا احاول تقديم جانب حي من احياء الاسكندريه العريقه حي باكوس الشعبي من خلال أبطال عايشتهم كمواقف وليس كأشخاص وعشتهم كتاريخ سكن في وجداني علي مدار سنوات عمري الأولي التي امضيتها في الاسكندريه عاشقا متيما بأحيائها الشعبيه مثلما عشقت الكورنيش فيها وصوت الموج الذي كثيرا ما خالطه صوت ازيز عجلات الترام وسيلة النقل الاشهر فيها ،
اشرف نبوي












الفصل الاول





الفصل الاول



شرع  مصطفي في هبوط السلالم وهو متأبطا زراع كريم جعفر زوج أبنة خالته شربات ، أبتسم وهو يعبر حارس الامن الذي أحضره سليم رزق رئيس إتحاد ملاك العماره وأصر علي  أن يستلم مهمة الأمن والحراسه ، أما مصطفي فكان هذا الحارس يذكره دوما بالصول الذي أذاقه الذل أشكالا أثناء تأديته للخدمة العسكريه ، بكرشة المتدلي وهيئته المنفره ونظرته القاسيه  ، لذا فأنه كان لا يطيقه ، أما كريم فقد كان لا يستطيع أن  يكتم ضحكته وهو يري مصطفي يسرع وهو يتعثر في خطواته كلما مرا بهذا الرجل ، وما أن وطئت أقدامهما الشارع حتي صدمتهم رائحة العادم وأصمهم صوت صافرة القطار ، سارا عدة خطوات جهة محطة السكه الحديد التي لم تكن تبعد كثيرا ، عبرا خط السكه الحديد وهم في طريقهم إلى الصيديله ، حين دلفا من الباب تقدم مصطفي بخطي واثقه وهو يقول : لوسمحت أريد علبه وأشار إلى إعلان كان يتصدر واجهة الصيدليه ، تبسم الصيدلاني وهو  يمد له العلبه ويقول الحبة الزرقاء فعلا هي أفضل حاجه ظهرت للآن ، وللعلم هي أصلي مستورد أحنا ديما بنستورد كل الادويه، ناوله مصطفي النقود وحرص علي أن يناول العلبه إلى كريم قبل خروجهم ليبريء نفسه أمام الصيدلاني .
 كانت المسافه بين لوران ومحطه فيكتوريا ليست ببعيده لكن مصطفي أراد أن يهرب من العادم والضوضاء لذا فقد أقترح علي كريم أن يتوجها جهة الكورنيش لينعما بنسيم البحر والهواء النظيف ، لم يعارض كريم ، وسارا معا صوب الكورنيش حتي وصلا إلى خط الترام وبدأت رائحة البحر تداعب حواسهم ، ساد صمت لفتره وهما يسيران ، كان كريم ساهما أما مصطفي فكان يطلق بصره في ملاحقة الحسان  من الفتيات اللواتي كن يظهرن بين الفينه والأخري في الطريق وأغلبهن بحجاب يظهر أكثر مما يخفي فالبنطلون الجينز هو القاسم المشترك مع غطاء للرأس وبلوزه قد تطول أو تقصر  وفتحة الصدر بها قد تغطيها الطرحه أو تكشف عن طرف نهدين يتقافزان فرحا أوضيقا لكنهما يتوقان إلى الحريه ، أما مصطفي فكان  يستمتع  غير مبال سوي بإرضاء شهوته ،
كان كريم مازال ساهما ، حتي  دق جرس هاتفه ، رد بكلميتن ثم نظر إلى مصطفي وهو يستأذنه أن يعودا أدراجهما ، وقبل أن يعترض دق جرس هاتف مصطفي هو الأخر ، رد بكلمات مقتضبه ، كان المعلم راشد غنام ، الذي كان يلح علي لقائه من يوم عودته من سفره ولم  يستطع مقابلته لظروفه  ، استأذن مصطفي من كريم  وتركه وهو يحاول أن يحدد مكانه للمعلم راشد الذي كان يحدثه وهو في طريقه بسيارته الفارهه  إلى نفس المكان  القريب من  الكورنيش  ، لم تمر دقائق حتي وجد  سيارة المعلم راشد تتوقف أمامه وهو يشير له أن يركب  ،
راشد غنام صديق عمر لمصطفي  ، فقد تقابلا للمره الأولي في المدرسه الثانويه ، أعجب مصطفي بأخلاق وشهامة أبن البلد التي كان يتمتع بها راشد ، أما راشد غنام فقد كان بقلبه طاقة حب كبير لكل من حوله وكان يبعثر مشاعره علي الجميع وكثيرا ما كانت تلك المزيه توقعه في مشاكل خاصة مع الجنس الناعم ، لكنه لم يتوقف يوما عن حبه للجميع حتي بعد ان توفي والده ووجد نفسه يغير طريقه من الادب والصحافه إلى الصناعه والاعمال ، ظل راشد بنفس القلب الشفيف والنظره الباسمه والتي إكتست بخبرة السنين وقسوة الأيام فزادتها جمالا وعمقا ، لذا ورغم سفر مصطفي وإنشغال راشد بأعماله وتوسيع تجارته ومصنعه إلا إن الصلة بينهما لم تنقطع يوما ، وكأنا حريصين كلاهما علي اللقاء كلما سنحت فرصه بعودة مصطفي من غربته في إجازه ، وكانت دوما لقائتهما تجمع بعض أصدقاء الماضي ، ويتخللها الكثير من الحكايا والذكريات ، وأخبار أصدقائهما التي كان يعرف معظمها راشد بحكم تواجده وصلاته وعلاقاته.
حين دلف مصطفي للسياره عانقه راشد بدفء وهو يعتذر لأنه لا يستطيع أن يهبط من السياره في هذا الزحام كي يعانقه كما يريد ، ضحك مصطفي وهو يهمس: كما أنت لم تتغير، سأل راشد مصطفي عن مكان يفضله كي يجلسا سويا ، وقبل أن يجيب مصطفي ، ضحك راشد وهو يقول : خليها عليا أنت ضيفي ، وأنعطف جهة الكورنيش متوجها إلى " قهوة والى" ، لم تمض دقائق حتي وصلا ، ركن السياره بجوار الرصيف في شارع مقابل للكورنيش وهبط فاتحا زراعيه ليعانق مصطفي من جديد ، كان مصطفي سعيدا بمشاعر صديقه ، توجها إلى  القهوه وقد لاحظ مصطفي ان الجميع يعرف المعلم راشد وقد افسحو له طاوله وسارع النادل بإحضار شيشه  دون أن يطلب  ثم أشار النادل إلى مصطفي ، فضحك  راشد وهو يقول لا الأستاذ ممكن تجيب له قهوه والا  أنت لسه غاوي سحلب ، أسرع النادل يحضر الطلبات وتركنا ونحن غارقين في الضحك ، همس راشد أو المعلم راشد كما كان الكل يناديه ، تصور إني لم أرك منذ سنيتن ، فرد مصطفي نعم  ، لكن هذا لاني لم أعد لمصر أيضا منذ سنتين ، وألا كيف أتي لمصر ولا اراك ، أنت ما تبقي لي من الأيام الحلوه وصحبة الأحباب ، بقي مصطفي يسرد أخبار الغربه وراشد ينفث دخان الشيشه ويهز رأسه مبستما ، وكلما لاح في ذهن مصطفي أسما من أسماء اصدقاء الماضي كان يسأل عنه راشد بشغف ، وراشد يستفيض في سرد ما يعرفه من تفاصيل ، وهو منتشيا بأنه الوحيد الذي بيده الخيوط جميعها ، أما مصطفي فقد كان يشعر بهذا ويفهمه جيدا لذا لم يترك شخصا ممن كان تربطه به معرفه أوصداقه إلا وسأل عنه ، وقد كانت إبتسامه راشد وبشاشته تشجعه أكثر وأكثر، فاستجمع مصطفي شجاعته وسأله عن َسميه فأخذ راشد نفسا عميقا قبل ان يعتدل في جلسته وينظر لعيني مصطفي ثم يساله : أنت لسه بتحبها يا درش ؟ لكن مصطفي وبدلا من ان يجيبه نظر إلى الأفق بعيدا وسرح بخياله ، بحكمة وطولة بال أولاد البلد أنتظره راشد قليلا ثم نقر باصبعه فوق الطاوله ، فأنتبه مصطفي واجابه بصوت خفيض ما كاد راشد يسمعه : لا أدري لكني أجدني دوما مشدودا لمعرفة أخبارها أولا بأول ، رد راشد : أصدقك القول أنا لم أسمع عنها منذ ما يقرب من سنه ، وأخر أخبارها إنها رزقت بطفل من زوجها بعد سنوات من الحرمان ، وقد صادفتهما في أحد الاسواق ، ابتسمت لى ولم تسلم علي  ، أما زوجها فهو جلف وأظنها خافت من وقوعها في مشكله أو جدل معه ، المهم إني مضيت في طريقي ، وبعدها سمعت من رفيقه عمرها ناديه أنها بعد زواجها تعيش حياة هادئه ومستقره ، لكنها غير سعيده ، لم يفوت مصطفي الفرصه فسأله عن ناديه وكيف حالها هي وزوجها ، فاستطرد راشد لا يختلف الامر كثيرا فهي بعد  فراقها هي ونادر تزوجت بصديق عمره وقد لمناها جميعا علي ذلك ولكنها كانت معانده وأظنك تعرف قصتها ، وهي تعيش الان في ملل حياة من لا بديل لديه الا هذا الزواج التعس ، ثم اكمل هل تذكر ساميه فقلت ومن ينسي قصتها هي وفؤاد فقال ولكنك لا تعرف ما حدث لهما بعد زواجهما باربع سنوات وكأنا قد رزقا بطفلين اصيبت ساميه بالسرطان وعبثا حاول فؤاد علاجها حتي وافتها المنيه منذ عام ، أطرق مصطفي للارض وهو يحوقل ، تابع راشد حديثه  وهو يهز لي الشيشه في يده ، لدي فؤاد وساميه رحمها الله طفلين  وقد تعبت في محاولة اقناع فؤاد بالزواج وكم ذكرت له ان الحي ابقي من الميت واولاده صغار يحتاجون لرعاية وامه اصبحت مسنه وان عاشت اليوم فلن تعيش غدا لكنه يعاند بحجه وفائه لساميه وانه لن يجد من تعوضه عن حبها وحنانها ،
ساد صمت قصير قبل ان تعاود الكلمات تقافزها من بين شفتي مصطفي متسائلا عن شكري الجزار رفيقهم الاكول : سمعت انه افتتح مطعما قريبا من باكوس ، ضحك المعلم راشد وهو يتذكر كيف كان شكري يطبق بيديه علي سندوتشين من الفول والطعميه ويتناولهما في قضميتن اثنتين ليتبعهما باخرين وأمن علي كلام مصطفي وهو يتابع فعلا شكري كان اكثرنا شقاء ، وتعب كثيرا نظرا لظروفه ولم يوفق للأستمرار  في عمل لمده طويله ، ربما كانت المره الوحيده التي استمر فيها هي فتره عمله في المطعم فقد مكث سنه تعرف خلالها علي بنت صاحب المطعم التي لم تكن علي قدر كبير من الجمال لكنها اعجبته وتزوجها ، ولم تمض فتره طويله حتي سلم له والدها ادارة المطعم بعدما شعر باخلاصه واجتهاده ، خاصة وإن إبنته كانت وحيدته ، وأتت أشهر الصيف وطلبت زوجته ان يسافروا لقضاء بضعه ايام في مرسي مطروح ، وقد وافق والدها الذي كان يحبها بشده ، وقد اتفقوا أن يذهب شكري معها ووالدتها ثم يعود بعد بضعه أيام ليتابع العمل بالمطعم ويذهب أبوها ليمضوا باقي الأسبوع ثم يعودوا، وفي أخر لحظه قرر والدها أن يذهب هو لانه كان علي موعد مع أحد العملاء لتوقيع بعض العقود في نهاية الاسبوع فطلب من شكري أن يبقي هو ثم يذهب عند عودته بعد ثلاثه أيام ، وكانوا علي موعد مع القدر فأنقلبت بهم السياره في طريقهم إلى مرسي مطروح ، وفجأه عاد شكري من جديد وحيدا لكنه ورث  المطعم وكل ثروه حماه الذي لم يكن له اخوه او اخوات ، كان مصطفي ينصت للمعلم راشد وهو غير مصدق لتلك التصاريف وكأنها روايه سينمائيه ، ثم سأل راشد وهل تري شكري ، فنفث المعلم راشد دخان الشيشه وهو يقول علي خفيف ، لما يكون الواحد عايز يرم عضمه باكلة كوارع حلوه باروحله وهو ديما يقوم بالواجب ، بس لازم نروح نزوره قريب هو ديما يسأل عليك .
صمت  المعلم راشد غنام قليلا ونظر نظرة عميقه إلى البحر ثم اردف لكنك لم تسألني عن عواطف ، فقال مصطفي ضاحكا وكيف انسي عواطف حبيبه قلبك ، قال ضاحكا : كان زمان  ، انها الان مع زوجها الثالث وهي سعيده ، فارتسمت علي وجه مصطفي علامات التعجب وهو يقول : الثالث ، فضحك راشد وهو يقول نعم  ، فبعد طلاقها من زوجها الاول بعقده ومشاكله عرضت عليها الزواج العرفي فقد كنت تزوجت كما تعلم لكنها رفضت ، واستمرت صداقتنا ولقائتنا حتي فوجئت بها يوما تخبرني بأنها تنوي الزواج وتعتذر لانها لن تستطيع ان تقابلني بعد ذلك لان زوجها غيور جدا ، لكنها ما لبثت وقبل ان تكمل العام ان اتصلت بي لتعلمني بخبر طلاقها للمره الثانيه ، وتقابلنا وبدات في سرد اسباب الخلاف التي وجدتها أسباب عاديه وتحدث كل يوم لكل الازواج ، لكنها عواطف كما عرفتها لم تتغير ولن تتغير وقد مكثت عدة اشهر كنا نتقابل خلالها علي فترات متباعده حتي اختفت فجأه وسمعت من بعض المقربين انها تزوجت وسافرت مع زوجها لاحدى محافظات الصعيد، تري ستستمر هذه المره ام انها ستعاود الطلاق ، كان مصطفي مشدوها وهو يسمع حكاية عواطف تلك المرأه المتفرده التي لم تكن جميله لكنها استطاعت ان تجعل الجميع يقع في غرامها بانوثتها وجرئتها التي جعلت من البعض يعرض عليها ان يصاحبها والبعض يتزوجها عرفي ، لكن لم يعرف احد بما فيهم مصطفي لمن كان قلب عواطف فقد اقتنع لفتره انها كانت تحبه وكانت تتودد إليه أمام حبيبته سميه وقد كانت الاخيره تكرهها كثيرا وتشعر بأشمئزاز  من جرئتها وإنفتاحها الزائد ، وكثيرا ما دبت الخلافات بينها وبين مصطفي بسبب عواطف التي كانت تنعتها بالجهل وعدم الثقه بالنفس ،
ظل الحوار دائرا بين مصطفي وراشد حتي ساعه متأخره وقاما كل إلى حال سبيله بعدما تواعدا علي اللقاء بعد اسبوع علي ان يجمع راشد من الاصدقاء القدامي من يستطيع ، شد راشد علي يد مصطفي مودعا بعدما شكره مصطفي علي هذا اللقاء الجميل وأستأذنه ان يتمشي لوحده علي الكورنيش فغادره راشد وهو يؤكد علي موعد الاسبوع القادم
اما كريم فبعد ان غادره مصطفي عاد ادراجه إلى البيت بعد استلامه للمكالمه الهاتفيه فوجد زوجته مع اختيها لكنها كانت غاضبه وطلبت منه ان يلحقها لغرفة النوم ، وقبل ان ينطق بحرف انطلقت باكيه وبدات الكلمات تنطلق من شفتيها مبعثره ومختلطه بالدموع وهي تشتكي من اخوتها ، وما يسببونه لها من حرج وطمعهم فيها ، وقد كان كريم يعرف ان هذا الموقف يتكرر كثيرا وسرعان ما تهدا وتعود لسابق عهدها معهن لذا فقد كان كل ما يفعله ان يهدئ من حزنها وبكائها ويعدها بأنه سيقف موقفا حازما معهن ، ثم إلتفت إليها في ود وهو يقول المهم القمر يروق كده علشان محتاجه الليله ينور لي ، ومد يده إلى خدها ماسحا دموعها ومارا بإبهامه فوق شفتيها ، كانت شربات إبنة خالة مصطفي بسيطه جدا ، أقل تصرف يزعجها وأقل لمسه ترضيها ، وكريم كان عطوفا ومحبا لها ولم يفكر  يوما إلا في إسعادها، ،
 حين خرجا بعد  أن هدأت قليلا طلب منها كريم أن تعد الشاي لهم ثم بدأ في الحديث إلى أختيها وهو يذكرهما بطيبه شربات وحبها لهما وانه يتضايق كثيرا حين  يشعر بقسوتهما عليها او  حين يطلبان مالا  تستطيعه منها فقاطعته الكبري وهي تقول : لحقت اشتكت لك منا ، فتبسم كريم وهو يقول  الا تعتبراني اخا لكم ولما لاتشكتي لاخيكم ، فاستطردت الصغري وكانت الاعقل : يا كريم ما يهمنا سعادة اختنا هو احنا لينا الا بعضنا البعض بس أنت عارف هي مندفعه وطيبتها دي هتوديها في داهيه ، نظر كريم للارض  ولسان حاله يقول طيبتها ام خبثكما ، ثم همس اعرف انكم تحبانها بس يجب تعطوها فرصه تتصرف بحريه وهي اصبحت مسؤله عن بيت ، حين انهي كريم حديثه كانت شربات قد احضرت الشاي وجلست بجوار زوجها هادئه ، اما اختيها فبعد ان ارتشفا الشاي في  عجله قاما ليغادرا دون ان يكون هناك مجال لفتح اي مواضيع مجددا .
حين احتوت الغرفه كريم وشربات نظر إليها نظرها كلها حب واشتياق وابتسم وهو يحيطها بذراعيه ، مدت يدها إلى عنقه واحاطت رأسه بذراعيها وهي تهمس لا اعرف ماذا كنت افعل لو لم تكن بجانبي ، ضمها إليه وهو يقبلها قبلة ناعمه فوق وجنتها ، القت برأسها فوق كتفه وابتسامه رقيقه تعانق شفتيها ، تناثرشوقهما  في جنبات الغرفه عطرا وعذوبه وهو يحتويها بحبه وهي تغطيه بحبها ،ظلا علي حالهما دقائق قبل أن  يأخذها في حضنه ويسلما أعينهما للنعاس .
كانت سمره وصباح اختي شربات متزوجتان من اخوين غير شقيقين لأم واحده، أحدهما صاحب ورشه ميكانيكا والاخر بائع سمك بسوق باكوس وقد كانتا تعانين كالغلبيه من ضيق الرزق وشظف العيش ورغم ان سمره الاخت الكبري كانت عاقرا  وليس لديها نفس المصاريف التي تتكبدها صباح لاصرارها علي دخول اولادها مدارس لغات ، فان اتجاه زوجها لمجارة ابناء مهنته في شرب الشيشه وشراء الحشيش لزوم الكيف كان دوما سبب في خلافاتهما وشجارهما الذي كان يصل احيأنا إلى اقسام الشرطه ، لم تكن سمره صاحبه جمال لكنها كانت صاحبه قوام رائع كثيرا ما اوقع كل من نظر إلى انوثتها في غرامها ورغم بشرتها التي كانت تميل إلى السمره الا انها كانت مطمع الكثيرين قبل زواجها ، وقد كانت تخشي دوما ان يطلقها زوجها فهي وبرغم خلافتهما تعرف انها اصبحت وحيده  في هذه الحياة خاصة بعد وفاة والديها وزواج اختيها فكانت تتنازل كل مره عن حقها بعد ان يشبعها زوجها ضربا حين توبخه علي ضياع ماله علي رفقاء السوء والحشيش الذي يتباهي دوما بأنه يحضر اجوده ، وقد كان زوجها بطبيعته مسرفا وكثيرا ما كان يغدق عليها بالهدايا حين تكثر الاموال في يده ، ويشتري لها كل غال ونفيس ، لكنه لم يستمع لها يوما حين كانت تنصحه بتوفير مبلغ من المال  وهي تذكره بعواقب الزمن وان الدنيا لا ترسي علي حال ، لكنه كان يهزأ بكلامها وهو يبتسم ساخرا هنسيبه لمين احنا لاعندنا عيل ولا تيل خلينا نعيش يومنا يا سمره ، وقد كانت تلك الكلمات تجرحها فتصمت وتداري دموعها وهي تبتعد لاعنه الحشيش واللي بشربوه واللي علمه يشربه ، اما هو فقد كان يبتسم وهو يفتل شاربه ويستعد لملاقة الصحبه  للاستمتاع بالشيشه والحديث الهاذر الذي كان يصاحب تلك السهرات وما يحمله من مجون ،
زوج صباح كان رجلا ارزقي بدأ صيادا وكان يبيع ما يصطاده يوميا ويعود لبيته باكرا كان يحب الطعام  ويشتري ما يشتهيه وقد بدا يشعر بأن صحته لم تعد كما كانت فبدا في شراء السمك من سوق الجمله بالانفوشي وبيعه بسوق باكوس للزبائن وارتضي من دنيته هذا الرزق وقد كان ابعد مايكون عن شرب الشيشه ولعل الخلاف بين شخصيتي الاخوين قد باعدت بينهما كثيرا وبعد ان دب الخلاف بينهما اكثر من مره اتفقا علي ان يكون كل منهما في حاله ولا دخل لاحدهما بالاخر  ، وقد كان  اقصي ما تذهب إليه نفس حامد زوج صباح هو كوب الشاي من يد صباح ولم يكن يشغل باله بمدارس اولاده فهو قد اقتنع ان صباح افهم منه وادري بمصلحتهم وهو يجتهد في توفير قسط الدراسه قدر استطاعته ، وصباح كثير ما تشترك في جمعيات تضبط تاريخ قبضها مع موعد اقساط  مدرسه اللغات التي يدرس بها ولديها ، وقد كانت من آن لاخر تطلب مساعده من شربات التي كانت تحاول الا تردها لكنها لم تكن تستطيع دوما ان تعطيها ،  وربما كان هذا سبب غضبها منها ، خاصة حين كانت تحاول ان تفهمها انها لاتريد ان تحمل زوجها فوق طاقته ، لكن النعمه والبحبوحه التي كانت تعيش فيها شربات كانت تطمع صباح  وسمره فيها ،
في صباح إليوم التالى أفاق كريم وشربات علي دقات عنيفه علي الباب  تنهدت شربات وهي تقول تري من هذا الذي يأتي في تلك الساعه المبكره ؟ اقترب كريم من الباب وحين فتحه وجدا شرطيا يسال عنه ، اعتلت الدهشه وجه كريم ، طلب منه ان يصحبه إلى قسم شرطه باكوس ، سأله عن السبب أجابه ببرود ستعرف كل شيء من الباشا ، أستاذنه ان يبدل ملابسه فأوميء إليه موافقا ، نظركريم إلى زوجته وهو يطمئنها وقد اغرورقت عينيها بالدموع وظهرالهلع علي قسماتها ، حاول اصطناع إبتسامه قبل ان يستدير مغادرا ،
حين وصل كريم إلى قسم الشرطه وجد حامد زوج صباح هناك ، سلم عليه وجلس صامتا بجواره بعد ساعه تقريبا اتي إليهم احد العساكر مكفهر الوجه وامرهما ان يقفا ويستعدا لمقابلة الباشا ، نهض الاثنان واقتربا من باب مكتبه امسك الحارس بذراع كريم وهو يصيح : دعه يدخل اولا ، واحد واحد أنتو مبتفهموش ، امال تعليم ايه اللي اتعلمتوه ده وفي الاخر اساتذه وبهوات ، استني يا خويا علي جنب لحد مالباشا يخلص من زميلك ، تنهد كريم متاففا لكنه لم ينبت ببنت كلمه ، لم تمضي دقائق حتي خرج زوج صباح ودخل كريم نظر إليه الضابط شذرا وهو يصيح قائلا أنت باين عليك ابن ناس ايه اللي دخلك في المشكله دي ، هز كريم رأسه مستوضحا فأدار الضابط رأسه غاضبا وهو يلعن اليوم اللي دخل فيه كلية الشرطه علشان ربنا يبتليه بكل هؤلاء الاغبياء ، أطرق كريم للارض صامتا ، فأردف الضابط أنت هتستعبط أنت مش شاركت حامد عبد العاطي الشهير بسردينه في ضرب المدعي سليط الرشيدي في سوق السمك في باكوس من سنه ، أنتبه كريم ونظر للضابط في ذهول وهو يتذكر ، نعم لقد طلبت منه شربات يومها ان يذهب لزوج اختها لاحضار سمك كانت قد اتفقت مع أختها عليه ، وحين وصل كريم وجد مشاده بين حامد زوج صباح وكانت بيده سكينا يلوح بها في الهواء اثناء شجاره مع شخص اخر ، فامسك بيده واجتمع الناس وفصلا بين المتشاجرين وابعدوهما ولكن الرجل وكانت السكينه قد جرحت اصبعه قام بعمل بلاغ في حامد وقريبه كريم الذي اتهمه انه كان يحاول مساعدة حامد في الاعتداء عليه ، وقد تابع سليط الاجراءات مع محامي جار له حتي اخذ حكم غيابي بحبس حامد ثلاثة أشهر  وتغريمه مصاريف الدعوي ، اما كريم فقد حكم عليه بغرامه الف جنيه ، وقد احضرهما الضابط بناء علي مذكره من شعبه تنفيذ الاحكام التي لم تستدل علي عنوانهما ، تداعت كل الأفكار إلى ذاكرة كريم والضابط يسرد الموضوع في حنق وعصبيه ، ثم طلب منه ان يوقع باستلام الحكم ويتعهد بالسداد خلال شهر من تاريخه ويحضر قسيمة السداد ليتم اغلاق القضيه ، وقع كريم  في ذهول واخذ صوره من الحكم وخرج وهو لا يكاد يصدق ما حدث ، حين رأي حامد في الممر اطرق حامد للارض ثم همس : خلي بالك من صباح والعيال ومتخلهاش تبهدل نفسها وتيجي السجن ، أنا ليا عند المعلم سعدان كبير السوق مبلغ كده  ، معلش روحلهه وخده علشان تدفع الغرامه والمصاريف ، لم ينطق كريم بكلمه ربت علي كتفه وهو يودعه اثناء خروجه من القسم ،
كانت شربات شبه منهاره وهي لاتعلم لماذا اخذوا زوجها ، وظلت تبكي حتي سمعت طرقات علي الباب فطار قلبها وهي تسرع بفتح الباب ، ارتمت في حضن كريم وهي تبكي بهستريا وتتمتم بكلمات لم يفهم معظمها ، احتضنها بهدوء وهو يربت علي ظهرها ويطمئنها ، هدأت قليلا فأخذها من يدها واجلسها بجواره ، وحين هم بالكلام وجد طرقات قويه علي الباب قام إلى الباب وجد صباح تدخل صائحه والدموع تملأ عينيها  والكلمات تتقافز من بين شفتيها في سرعه مختلطه بالدموع ، سلم عليها ثم بدأ في سرد ما حدث بهدوء وهما يقاطعانه كل دقيقه مستفسرين عن كل كلمه ، حتي أنتهي ، فأطمئنت شربات قليلا اما صباح فقد اخذت تلطم وجهها بيديها وهي تصيح ليه يارب احنا عملنا ايه ، فأستاء كريم من كلامها وطلب منها ان تصبر وسيجد حلا بأذن الله ، لكنها بقت تبكي وتصيح ، اشار كريم إلى زوجته فقامت واتت بمبلغ من المال وضعته في يد اختها وهي تطمئنها بان كريم سيقوم بكل اللازم ولا داعي للقلق ، اما كريم فقد ابلغها برسالة زوجها وانه لايريدها ان تأتي هي او العيال للسجن ، واهي كلها ثلاثة أشهر وهتعدي لم  تجبه لملمت ملابسها ومسحت دموعها واخذت النقود شاكره ومودعه وهي تخرج من الباب ،
قامت شربات فورا واحتضنت زوجها كريم وهي تبكي وتقول لا أعرف ماذا كنت سأفعل بدونك لقد اظلمت الدنيا في وجهي حين شعرت بانهم اخذوك ولا اعلم متي ستعود ، أنا بحبك قوي يا كريم ولا استطيع ان اتصور حياتي بدونك ، اوعدني الا تتركني يوما ، كان كريم يربت علي كتفها وهو يحتضنها برقه حتي هدات تماما ، نظرت إليه بحب وهي تقول : اكيد أنت تعبان مما حدث ادخل لتنام قليلا حتي اعد لك الغداء ، تبسم كريم وهو يحيطها بذراعيه ويهمس :  كم اشتاق إليك ، فردت وهي تنظر إلى الارض وأنا ايضا اريد ان اعيد ليله من ليال شهر العسل ، قبلها بين عينيها واتجه ليغفوا قليلا
 اتجهت صباح من فورها إلى شقه سمره التي كانت تعلوا شقتها وبدأت في سرد الحكايه وهي تبكي ، حاولت سمره تهدئتها ونصحتها بألا تخبر أولادها حتي لا تنكسر نفسهم علي حد تعبيرها ، ،وضغطت علي يدها وهي تقول : قولي لهم ابوكم سافر وخلاص ، ووعدتها بانها ستتحدث مع زوجها ليقف بجوار أخيه في هذه المصيبه والاخوات ملهمش غير بعض وصبرتها ببعض الكلمات ولسان حالها يقول اللي يشوف بلاوي الناس تهون علي بلوته ،
غادرتها صباح وقد اقتنعت بكلامها واخبرت ولديها عند حضورهم من المدرسه بقصة سفر والداهما وارتاحت قليلا حين لم تجد منهما اي اسئله ، وبدأت في ترتيب امورها وحساب ما سيحتاجه البيت واولادها خلال فتره الشهر التي سيتغيب فيها ابوهم ، وقد كانت توفر بعض المال دون علم زوجها لشراء هدايا لولديها عند نجاحهما في نهاية العام ، لكنها ايقنت ان الظروف تغيرت ، وتعلم ان كريم زوج اختها سيقوم بسداد مصاريف القضيه وقد ساعدها فلن يكون هناك مجال لطلب المزيد ، لكنها فيما يخص زيارة زوجها كانت محتاره فهي تريد ان تنصاع لكلامه لكنها تخاف ان يتهمها بعدم الوفاء وعدم السؤال عليه طيلة تلك المدة ، باتت ليلتها مهمومه وكانت الليله الاولي منذ زواجها التي تبيت فيها بمفردها .
حين عاد طلعت مختار زوج سمره بعد سهره طويله من سهراته وجد سمره مستيقظه وفي أنتظاره ، ابتسم وهو يفتل شاربه ويتجه إليها ليقبلها لكنها افلتت من بين يديه وهو يترنح ، استغرب مما فعلته لكنها عاتبته وهي تصيح افتكرت ان فيه ليك بيت الان وفيه واحده مستنيه ، رفع يده إلى رأسه وهو يحكها بعصبيه ونفث في الهواء وهو يقول غاضبا الظاهر أنت ناويه تضيعي كرسي الحشيش من دماغي ، في ايه  ياوليه ، قالت بعصبيه والدموع تخنقها : قلقت عليك ، فأبتسم من جديد وهو يقترب منها ، فقالت الم تعرف بموضوع حامد ، فنظر إليها بدهشه وهو يحدق صامتا ، فقالت حامد اتحبس في قضيه اعتداء ، فنظر إليها وهو يحاول ان يفتح عينيه بصعوبه ويتمتم الله ينكد عليك طيرت كرسيين الحشيش ، ثم سحبها من يدها واجلسها بجواره وهو يقول الان احكي بالراحه وشويه شويه علشان افهم ، وما أن أنتهت سمره من سرد الحكايه حتي ضرب طلعت زوجها كفا بكف وهو يضحك ساخرا ومستغربا ثم إنفجر ضاحكا وهو يردد حامد ، حامد الغلبان ، ثم قام متجها إلى السرير ولم تمض سوي ثواني حتي علا شخيره وزوجته سمره واقفه أمامه تنعي حظها ،
ترك مصطفي صديقه المعلم راشد وظل سائرا علي الكورنيش وهو يدندن بأغاني أم كلثوم وعبد الحليم ومستمتعا بهواء البحر المنعش ومن آن لاخر كان يختلس النظر إلى حبيبن يتعانقان علي الكورنيش أو يتهامسان وهو منتشيا ومتذكرا ايام شبابه التي ضيعها  بلا فائده وبلا زواج متعللا بتكوين مستقبله ورافضا لكل الفرص التي لاحت له سواء من اقاربه او جيرانه او معارفه ونادما علي كل فتاة رفضها واصبحت اما أو زوجه لغيره ، وها هو تخطي الثلاثين واقترب من الاربعين ولم يزل عازبا وحيدا بعدما توفي والداه ولا يجد من يؤنسه ، وربما لولا عمله الذي يشغل معظم وقته في الغربه ما شعر بقيمة حياته ولا استمر يمارس حياته ، ولعل اقرب اصدقائه إليه هو كريم زوج ابنة خالته شربات حتي اصدقائه القدامي انشغلوا واصبح لا يعرف تليفوناتهم او عنوانيهم ولولا كريم والمعلم راشد الذي يأتي إليه باخبارهم ويجمع من يستطيع منهم كلما نزل في إجازه ليلتقوه ويستعيدوا ذكرياتهم , لولا هذا اللقاء الذي يحدث كل سنه او سنتين ربما لانقطعت صلته بوطنه وبالماضي تماما ،
كان مصطفي عاشقا للبحر وكان يستمتع بصحبة ذكرياته علي الكورنيش ويستعيد تفاصيل كانت تتواري في اركان ذاكرته ، ثم لا تلبث ان تقفز امامه كلما مر بمكان ذكري او لمح اثارها خلال سيره ليلا او نهارا ، ظل مصطفي سائرا حتي الصباح تناول افطارا خفيفا وصعد إلى شقته متعبا رمي بجسده فوق السرير ولم يفق الا مساء ذلك اليوم ، فكر ان يذهب إلى كريم وشربات لكنه بعد ان بدل ملابسه وهبط السلم وجد نفسه مشدودا للذهاب إلى الكورنيش من جديد فعشقه للبحر دوما يشده ، عرج علي مطعم صغير قريب من الكورنيش تناول طعامه ثم ترجل وهو يشعر بحنين غريب يشده للبحر ، سار قليلا قبل ان يجد كرسي مقابل للبحر جلس ناظرا للموج وهو يستعيد شريط حياته وقد تلبسته حاله من حالات الشجن ، ظل علي وضعه عدة ساعات حتي شعر بالبرد يهاجمه فقام يحث السير عائدا إلى بيته
، كان الوقت متأخرا والبرد يشتدا فأنتقل مصطفي للرصيف المقابل للكورنيش في طريق عودته هاربا من البرد ، لكنه ما لبث ان لمح شبحا علي بعد خطوات حين عبر الطريق ابطئ من خطواته وهو يري الشبح يتحرك ، أبتسم وهو يري أن الشبح ماهو إلا فتاة في نصف ملابسها ، بارز معظم صدرها من فتحة فستانها تتهادي في غنج رغم الاعياء البادي عليها ، نظرت إليه وهي تغمز بعينها ، ابتسم مصطفي وخطي مبتعدا ، مصطفي رغم عينه الزايغه كما كان يطلق عليه كل من يعرفه ، لم يرتكب يوما كبيره ، فهو لم يعاشر أمرأه او يشرب خمرا ، ربما جرب الحشيش مره او مرتين مع رفقاء السوء ومن باب التجربه ، وقد تعرف علي اكثر من مائه فتاة اثناء شبابه لكنه لم يكن يتجاوز القبله او مسك يد الفتاة التي يتعرف عليها ، لذا فقد كانت المره الاولي التي تعترضه فتاة ليل ، وقد ومضت برأسه للحظه فكره ان يصطحبها في سيره لكنه تراجع وهو يحاول ان يجمع شتات نفسه ، فحث خطاه وغير مساره في أول شارع صادفه متجها إلى بيته .
حين وصل مصطفي لشقته شعر بدفء غريب ، خلع ملابسه وهو يتجه للحمام ترك الماء الدافيء ينساب علي جسده وهو مغمض العينين حين بدأ بتجفيف نفسه وارتداء روب الحمام شعر براحه كبيره اتجه إلى المطبخ احضر بعض الطعام ثم رمي بجسده علي الاريكه بمواجهة التلفاز ، بحث بجهاز التحكم في كل القنوات لم يعجبه شيء اطاح بالجهاز من يده ثم بدأ في التهام طعامه ، قبل ان ينهي وجبته بدأ بث احدي مباريات الكره التي كان يعشقها ، اعتدل وبدأ في المتابعه لكنه لم يلبث سوي دقائق وراح في نوم عميق.
كانت الساعه السادسه صباحا حين اخترقت اشعة الشمس الستائر ، فتقلبت صباح علي سريرها وقبل ان تعيد يدها التي لم تجد جسد زوجها بجوارها  تذكرت ما حدث ، فسقطت دمعه حزينه فوق وجنتها ، دارتها وهي تقوم مسرعه لايقاظ ولديها للذهاب للمدرسه ، وفي نفس الوقت كانت سمره تحاول ايقاظ  الاسطي طلعت زوجها ليذهب لزيارة اخيه في السجن او مقابلة محامي قبل أن يذهب لورشته و هو يتثاقل كعادته حين يسهر ، اما كريم فحين فتح عينيه وجد شربات وقد اعدت له افطارا واتت به إلى السرير ابتسم وهو يتذكر ليله الامس وتمتم في سره بالشكر لمصطفي الذي دله علي هذا الحل السحري ، قبل يد شربات وقربها منه وبدأ يتناول افطاره معها ،
 اما مصطفي فقد ازعجه ضوء الشمس فقام إلى سريره في محاوله لمواصله النوم لكن الافكار طاردته فأعتدل قليلا وظل ممددا لعدة دقائق قبل ان يقرر ان يقوم باعداد كوب شاي لنفسه ، في طريقه وجد التلفاز مازال يعمل ابتسم وهو يبدل القناه ، حين عاد إلى جلسته فوق الاريكه تابع اعلأنا عن بدأ بث مباريات البطوله الافريقيه والتي يشترك فيها الفريق القومي ، اخذ قلما وبدا يدون تواريخ بث المباريات ، وما أنتهي حتي بدأ في ارتداء ملابسه وقد عزم علي الذهاب إلى كريم وشربات لتناول الافطار معهم خاصة وهو يعلم ان كريم في إجازه من عمله الأن ،
 حث الخطي إلى بيتهم دق الجرس فقامت إليه شربات أدخلته وهي تتساءل عن سبب حضوره باكرا  فابتسم وهو يعتذر عن إزعاجه لهم وسأل عن كريم وهو يستطرد قلت أفطر معاكم ، فضحكت شربات وهي تقول حماتك مش بتحبك أحنا فطرنا خلاص بس مش مهم هحضرلك فطار حتي يخرج كريم من الحمام ، لم يمكث مصطفي طويلا حتي حضر كريم فسلم عليه وجلس بجواره واخذا يتهامسان ثم صمتا بمجرد دخول شربات نظرت إليهما وقد فهمت ما كانا يتحدثان بصدده ، فاعترتها حمرة الخجل وهي تداري ابتسامه رضا شملت وجهها ، وضعت الافطار لمصطفي وجلست قبالته وهي تتحدث مرحبه ثم قالت اكيد أنت معرفتش اللي حصل لحامد جوز صباح امس ، فهز مصطفي كتفيه نافيا ، فقالت لقد امسكو به وسيسجن شهرا ، وبدأ كريم في سرد الحكايه ومصطفي يتابع تناول افطاره وهو يومئ مندهشا ، لم تكن تجمع مصطفي وزوجي بنات خالته صباح وسمره  علاقة ود ربما لانهما تزوجا وهو بعيد وربما لانهما ليسا ككريم صديقه حتي قبل زواجه بشربات ، حتي انه لا يتذكر اخر مره زار فيها صباح وزوجها او سمره وزوجها ، ورغم ذلك بدا عليه التأثر كثيرا خاصة فيما تعلق بكريم واخذ يستفسر عن تبعات هذا الامر علي كريم ، فابتسم كريم وهو يطمئنه بعد أن قام بسؤال احد المحامين من اصدقائه وطمأنه علي نفسه اما حامد فقد كان الحكم الصادر واجب التنفيذ ،
حين أنتهي مصطفي من طعامه كانت شربات قد اعدت الشاي ، جلسوا يتجاذبون اطراف الحديث ، فسأله كريم : ما هي اخبار المحل الذي قلت انك ستشتريه ؟ فرد مصطفي : لم يعجبني فهو في العصافره في شارع مقطوع ، أنا اريد محل هنا او قريب من هنا في باكوس مثلا ، فرد عليه كريم : هناك  احد المحلات معروض فعلا للبيع بس خد بالك سيكون سعره عالى ، رد مصطفي المهم المكان ، فرد كريم خلاص خلينا نروح نشوفه الان خير البر عاجله، ارتدي كريم ملابسه بسرعه وتأبط زراع مصطفي وهو يتجه خارجا ، ولم يستطيع ان يكتم ضحكته وهو يري مصطفي يسرع عند امرورهم بعم رفقي حارس العماره حتي انه لم يلقي عليه السلام .
ركب كريم سيارته وبجواره مصطفي ولم تمر سوي دقائق حتي وصلا ، ركن كريم السياره واتجه صوب شارع ضيق يربط طريق الترام بطريق مصطفي كامل ، كانت المحال تصطف علي الجانبين متلاصقه ، أشار بيده ليافطه من الورق معلقه علي احد الابواب المغلقه ، هز مصطفي رأسه وهو يقول بس مساحته صغيره ، فرد كريم بالعكس فهذه المحلات طوليه ، الفتحه ثلاثه امتار لكن مساحته كبيره حوإلى خمس واربعون مترا ، اقترب مصطفي من المحل وهو يحاول ان يسجل رقم الهاتف المسجل فقال كريم لا تتعب نفسك أنا أعرف صاحبه ، سأتصل به ليحدد موعدا لتشاهد المحل من الداخل ، هز مصطفي رأسه موافقا ، تحدث كريم لدقيقتين ثم ابتسم وهو يقول لمصطفي أنت محظوظ فصاحبي بالجوار وسيأتي خلال دقائق ،
 بقي مصطفي يستطلع المكان ، كان يجاوره  يمينا محل جزاره قديم ، اما عن يساره فقد كانت واجهه زجاجيه  تطل بأناقه لمحل ملابس داخليه للنساء ، شدت بصر مصطفي فراح ينظر إليها حتي لكزه كريم في كتفه وهو يقول : علي صاحب المحل وصل ، رحب علي بكريم وسلم علي بحراره ، قدم كريم مصطفي لعلي وهو يقول مصطفي اخويا  وصاحبي وابن خالة المدام وعايزك تكرمه قوي إذا كان فيه نصيب ، ابتسم علي وهو يؤكد علي كلام كريم ويهم بفتح المحل ويعتذر لانه لم يقم بعمل نظافه فهو قرر البيع من يومين فقط ليشارك اخيه الذي عاد من الخارج في مشروع بناء برج سكني في سموحه في قطعه ارض كان اشتراها  اخيه من عشر سنوات ، لم يكن مصطفي او كريم يهتمان بحديثه فقد كان شكل المحل ومساحته التي اعجبت مصطفي هو ما يفكران فيه وبالطبع السعر الذي سيطلبه علي في هذا المحل خاصة وهو في منطقه حيويه في قلب سوق باكوس ،
لم تمض سوي دقائق حتي أنتهي مصطفي من معاينة المحل ، لكنه حاول ان يظهر عدم رضاه الكامل في محاوله لتخفيض السعر الذي لم يكن يعرفه لهذه اللحظه ، فقال مش بطال ممكن ينفع ، فساله علي أنت ناوي تفتحه ايه ؟ فتردد مصطفي قليلا ثم قال فيه كام فكره في دماغي لكني لم استقر بعد علي نشاط معين ، ثم اردف لكن أنت طالب فيه كام ، فرد علي الاول كريم قالك علي الشرط أنا عايز الفلوس كاش كلها ، وعلي العموم أنا كنت طالب فيه مأتين وسبعين ألف لكن عشان خاطر الاستاذ كريم ومجيتك الغاليه دي أنت وهو أنا هاخد مئتين وستين بس ، فنظلر كريم لعين مصطفي فوجد رضا ، فقال لعلي وعشان خاطر العيش والملح مينزلوش لمئتين وخمسين الف بس ، اطرق علي للارض وهو يقول ، عشان خاطر اخوي المجدع كريم ينزلوا بس علي شرط أنا عايز الفلوس بكره بالكتير ونعمل العقد ونسجل في وقتها أنا مستعجل ، فمد مصطفي يده إلى علي وهو يقول اتفقنا غدا الساعه التاسعه امام السجل العقاري فرد علي  ضاحكا علي البركه ،واكون جبت حد نضف المكان كمان ،  صافح علي كريم ومصطفي وهو يغادر  ،
اخذ مصطفي يستطلع المكان ويدخل المحال التي بجواره في محاوله لمعرفة جيرانه الجدد بعدما وطد العزم علي شراء المحل ، فكان صالح عنتر الجزار هو اول من صادفه جالسا امام محل الجزاره وبيده لي الشيشه وأمامه طاوله دائريه صغيره مرتفعة الأرجل عليها صينيه وفوق الصينيه يقبع كوبان من الشاي والماء وملعقه صغيره  ، أقترب مصطفي من المعلم وهو يلقي بالسلام فأنتبه المعلم عنتر علي صوته وقال وصوته الاجش يختلط بكحه عاليه وعليكم السلام ثم اتجه بنظره إلى كريم وهو يقول أهلا بالأستاذ مش حضرتك برضه صديق الاستاذ علي ، أبتسم كريم وهو يقول نعم أنا كريم يا معلم وهذا مصطفي جارك الجديد لقد أتفق مع علي علي شراء المحل ، فضحك ضحكه مجلجله وهو يقول ألف بركه بس المهم الاستاذ ميكونش ناوي  يفتح محل جزاره وياكل السوق ، فضحك كريم ومصطفي ثم قال مصطفي وأحنا نقدر، وهي العين تعلي علي الحاجب يامعلم ، أنت أكبر معلم في المنطقه ولا يجرؤ أحد علي منافستك ، هز  المعلم عنتر رأسه معجبا بكلام مصطفي ، ثم نادي بصوته الجهوري علي أحد صبيانه وهو يطلب كراسي للاساتذه وقبل أن يحاول مصطفي الفكاك كان قد طلب من الأخر أن يطير إلى القهوه ليحضر شاي للبهوات ، وقد بدا لمصطفي إنه لو أعتذر ربما أساء المعلم فهمه فلكز كريم في ذراعه وسحبه ليجلسا في ضيافة المعلم عنتر ، لم يطل بهم المقام كثيرا فبعد أن شربا الشاي الذي حضر في دقائق استأذنا المعلم في الانصراف وهما يؤكدان إنهما تشرفا بمعرفته وإنهما سيأتيان إليه ليستمتعا بالجلسه معه لأن جلسته ودوده وحلوه ولا يتشبع منها كما قال مصطفي وهو  ينصرف بكياسه ،
أما الجار الأخر فكان بوتيك للملابس الداخليه النسائيه وقد كان بواجهه زجاجيه كبيره ومدخل رائع لكن مصطفي وكريم ترددا في الدخول ، ووقفا قرب فاترينه العرض لبرهه ، فخرجت فتاه شابه مرحبه وهي تقول لدينا تشكيله رائعه بالداخل ، فنظر كريم لمصطفي وقد علت الحمره وجهه لكن مصطفي سارع بالدخول ، حين دلف للمحل وجد فتاتين شابتين فقط فسألهما عن صاحب البوتيك فقالت أحدهما لم تأت بعد لكن أؤمر أنت ونحن تحت أمرك شوف أنت عايز أيه بس ، قال بنبره قاطعه أنا كنت عايز صاحب البوتيك ، أنا جاركم الجديد ، فخبت شعلة النشاط في وجه الفتاتين وهما يتجهان ليجلسا علي كرسيين بزاويه البوتيك ، ثم قلت إحداهما شويه كده وتيجي الست مرام صاحبة البوتيك ، كانت المره الاولي التي يعرف مصطفي إن جاره امرأه ، نظر إليه كريم مبتسما واستأذنا وهما يهمان بالخروج ، لكنهما عندما وصلا للباب كانت سيده تهم بالدخول سرعان ما قامت الفتاتين بإلتقاط شنطة يدها وهما يرحبان بها فعرف مصطفي إنها مرام صاحبة البوتيك،
 نظرت المرأه إليهما وعلي شفتيها إبتسامه ترحيب ، ثم سألت برقه ألم يعجبكما شيء في البوتيك ، فرد مصطفي بالعكس كل ما في البوتيك يدل علي ذوق ورقة صاحبته أبتسمت مجددا وهي تشكره ، لكنه أردف بسرعه وهو يمد يده إليها معرفا بنفسه مصطفي جارك الجديد في البوتيك المجاور لك وقد أحببت أن اتعرف ،صافحته وهي تضحك وتدعوه للدخول هو وصديقه سارت أمامهما ونظر مصطفي متعلق بها ، ومدققا في كل تفاصيلها ، شعرها الذي تجاوز الكتفين بقليل ، وجهها في إستدارته والذي يغار منه القمر ، وأنوثتها التي أطلت عبر تقاسيم الجسد الفتان كانت تنبيء عن بركان قد يثور في أي لحظه ، أما نظراتها فقد كانت تشي بالكثير وترسلك عبر الموج الازرق الساكن فيهما إلى أخر بحار العالم ، قبل أن تعيدك ضحكتها الأنثويه الطاغيه إلى غابات الكرز المثمرة بشفتيها  ,ورغم البراءه المرتسمه علي صفحة وجهها ، فقد كانت ضحكتها تجبرك علي الحيره وأنت لا تعرف إيهما تصدق ، لاحظت مرام نظرات مصطفي إليها ، لكنها تجاهلت الأمر وهي تطلب من إحدي الفتاتين أن تحضر مشروبا للضيوف ، لكن كريم قاطعها شاكرا ومؤكدا إنهم لسه شاربين شاي عند المعلم عنتر، ابتسمت برقه وهي تتجه بحديثها إلى مصطفي متسائله عن نوع التجاره الذي ينويه ، لكن مصطفي الذي لم يكن قد حدد في ذهنه بشكل قاطع ماذا سيفعل  ،أجابها كما أجاب المعلم عنتر بغموض وبلا قطع ، وإن كان بالفعل قد بدأ يفكر أن ينهي رحلة الغربه ويعود ليستقر ويتزوج بعدما شعر بأن سنين عمره بدأت تتفلت من بين يديه ، وما هي إلا لحظات وبدأ تقاطر الزبائن من النساء علي البوتيك ، فقام كريم ومصطفي وقد شعرا بالحرج ، فأستأذنا مرام التي أصطحبتهما لباب البوتيك وسلمت علي كريم ثم مصطفي الذي كان ينظر لعينيها وهو يسلم للحظات ، جعلتها تشعر بالارتباك وهي تسحب يدها من يده وتعود لداخل البوتيك
 حين أصبحا خارج البوتيك نظر كريم لمصطفي وهو يبتسم ، فهز مصطفي رأسه وهو يهمس ربما ، ربت كريم علي كتف مصطفي سعيدا ثم سأله هل تريد أن نكمل جولتنا في السوق أم انك أكتفيت بجاريك ، فأجابه مصطفي بل دعنا نكمل أريد أن أفكر قليلا ونحن نتمشي ،
مضت ساعتين ومصطفي ينتقل من مكان لاخر ومن جهة لاخري في محاوله لجس نبض السوق وجمع المعلومات ، وقد كان كريم سعيدا وهو يراه قد بدا جديا لأن هذا يعني إنه قرر الاستقرار في مصر وعدم السفر ثانيا ، بدأ كريم يشعر بالإجهاد والجوع  فطلب من مصطفي أن يعودا للبيت لتناول الغداء .
كانت شربات قد أعدت غداء لثلاثتهم وقد بدا الارتياح علي وجهيهما وهما يتناولان الغداء فسألت شربات ما هي الاخبار لعلكم وفقتم في مشواركم وأعجب المحل مصطفي ، فرد كريم ضاحكا مش بس المحل وجيران المحل كمان ثم لكز مصطفي في ذراعه وهو يقول مش كده والا إيه يادرش ، فضحك مصطفي وهو يقول أكيد ، ثم أردف هو أنت بتقول حاجه غلط أبدا ، فنظرت شربات مستفهمه فعاود كريم الضحك وهو يقول هحكيلك علي كل حاجه متستعلجيش ، بعد أن أنتهوا من تناول الغداء قامت شربات لتعد لهم الشاي ، سأل كريم مصطفي : هل قررت البقاء  ، أم ماذا خططت بالضبط وماذا يدور في رأسك لأني أشعر اني لم أعد أفهمك ، فتبسم مصطفي وهو يرد في هدوء ستعرف كل شيء غدا لكن دعني أذهب للبيت الأن أريد أن أجري بعض المكالمات وارتب أوراقي .
كان ماتبقي من اجازة مصطفي السنويه لا يتعدى الاسبوعين لذا كان لزاما عليه أن يتخذ قراره بسرعه ، لذا فبعد أن غادر كريم وشربات ، ذهب من فوره إلى شقته وأخرج الكثير من الأوراق وبدأ في تقليبها بين يديه ووكتابة بعض الملاحظات والأرقام ، ودون بعض أرقام التلفون وبدأ في  إجراء بعض المكالمات ، ثم اتكيء علي الاريكه وعلامات الراحه تغطي تقاسيم وجهه ،
كان مصطفي قد اتخذ قراره بالبقاء في مصر وتصفية اعماله وحساباته والعوده سريعا لبدء مشروع تجاري والزواج والاستقرار ، وقد اسعده أن شريكه في العمل لم يعترض علي قراره لكنه طلب منه ان يعود لتصفيه متمنيا له التوفيق بعد سنوات العمل و اخلاصه وتفانيه معه طوال كل تلك السنوات ، وبعدما اتصل بالمحامي صديق كريم ورتب معه امر شراء المحل وعرف الاوراق المطلوبه قام بترتيب كل شيء ، واستلقي علي سريره وهو يشعر براحه كبيره .
 حين استيقظ صباحا كان النشاط يدب في كل اوصاله ، اخذ حماما سريعا وارتدي ملابسه وتوجه من فوره للبنك سحب المبلغ المطلوب وتوجه إلى السجل العقاري وجد المحامي وعلي في أنتظاره انهي جميع الاجراءات وسلم المبلغ لعلي ، ثم اصطحبه علي إلى المحل اعطاه المفتاح وهو يبارك له ويدعو بأن يرزقه الله ويكون هذا المحل قدم السعد عليه ، وانضم إليهم المعلم عنتر وهو يثني علي مصطفي ويشكر علي انه اختار جار مثله ، ثم ودعه علي وهو يغادر شاكرا وتبعه المحامي ثم المعلم عنتر الذي كان مشغولا بزبائنه ، اما مصطفي فقد كان علي موعد مع كريم الذي اخبره انه سيلاقيه بالمحل ، قام بفتح المحل واخذ يتفقده من الداخل في إنتظار كريم ، أنتبه مصطفي علي صوت نسائي ناعم يلقي بالتحيه ، حين  رفع رأسه وجد مرام أمامه ، انعقد لسانه وهو يراها واقفه امامه ، تبسمت وهي تبارك له علي المحل ثم همست ضاحكه اردت ان أكون اول من يبارك لك ويدخل محلك ، كان مصطفي مرتبكا لاول مره وهو الذي صاحب من النساء الكثير ، لكنه كان صامتا في حضرتها متأملا لجمالها ، ولاحظ انها لا تضع دبله في يدها ، وكان يود أن يسألها لكنه تراجع  خوفا من تأتي اجابتها بنعم أنا مرتبطه ،أما هي فقد لاحظت نظرته ليديها فغمرتها راحه وأبتسامتها تقول له ماذا تنتظر ؟ قطع صمتهما صوت كريم الذي اتي متاخر قليلا سلم علي مرام واحتضن مصطفي وهو يبارك له ، اما مرام فقد دعتهما إلى محلها وهي تسأل مصطفي متي سيبدأ في تجهيز المحل ، فتبسم وهو يقول عما قريب ، فأردفت مرام وهي لا تود أن ينتهي الحديث بينهما: اعرف صديقه مهندسه ديكور ماهره جدا هي من قامت بعمل الديكورات عندي بالبوتيك ، اذا احتجتها فقط اخبرني ثم ناولته كارتها الشخصي الذي كان مسجل به رقم تليفونها ، شكرها مصطفي وهو يودعها هو وكريم مؤكدا علي رغبته الاكيده في التعاون مع أي شخص من طرفها ، جازما بانه سيكون رقيقا وجميلا مثلها ،
إصطحب كريم مصطفي إلى البيت فقد كانوا علي موعد مع حفل إفتتاح بطولة الامم ومشاهدة الفريق المصري الذي كان يمثل الكثير لمصطفي ويشعل جذوة الوطنيه في قلبه وهو الذي أمضي الكثير من سنينه بعيدا عن أرض هذا الوطن الذي عشقه ، وقد كانت اي مناسبه وطنيه تعوض مصطفي عن  غربته وسنينه التي قضاها بعيدا ، لذا فقد كان ينتظر تلك البطوله وما بها من مباريات ليخرج من صدره اشواقه التي احتبستها الغربه بقسوه ، ويعبر عن حبه لوطنه  ولو من خلال تشجيع منتخب بلاده.